الشيخ محمد رشيد رضا
97
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
إطالة الثياب وجر الأذيال بطرا ومنه مشية المرح فترى الشاب يتمطي ويمرح ويأرن كالمهر أو العجل ويضرب برجليه الأرض « وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا » ولكن يجوز ذلك في الحرب ومثله التعليم العسكري . والفخور كثير الفخر يعد مناقبه ويزكي نفسه تعاظما وتطاولا على الناس وتعريضا بنقصهم وتقصيرهم عن بلوغ مداه . والجمع بين هاتين الخلتين - الخيلاء وكثرة الفخر - هو التناهي في الكبرياء والعتو على اللّه تعالى باحتقار خلقه والامتناع من الاحسان إليهم بالقول والعمل بدلا من الفخر والزهو عليهم بالقول والعمل ولا سيما أصحاب تلك الحقوق المؤكدة والأحاديث في ذلك كثيرة ، وكانوا يتفاخرون في الجاهلية بآبائهم فنهوا عن ذلك في الأحاديث نهيا صريحا فتركوه ، والفخر في الشعر إذا أريد به الترغيب في الفضيلة فلا بأس به والا كان مذموما * * * ثم إنه تعالى بين حال هؤلاء المتكبرين بقوله الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ روى ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر بسند صحيح عن ابن عباس قال كان كردم بن زيد حليف كعب بن الأشرف واسامة بن حبيب ونافع ابن أبي نافع وبحري بن عمرو وحيي بن أخطب ورفاعة ابن زيد بن التابوت ( كلهم من اليهود ) يأتون رجالا من الأنصار يتنصحون لهم فيقولون لهم لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر في ذهابها ولا تسارعوا في النفقة فإنكم لا تدرون ما يكون . فأنزل اللّه تعالى الَّذِينَ يَبْخَلُونَ - إلى قوله - وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً وروى ابن حميد وغيره عن قتادة أنه قال في الآية هم أعداء اللّه تعالى أهل الكتاب بخلوا بحق اللّه تعالى عليهم وكتموا الاسلام ومحمدا صلّى اللّه عليه وسلّم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل . وبناء على هاتين الروايتين جعل المفسر ( الجلال ) الآية كلاما مستأنفا في اليهود ، فجعل الذين يبخلون مبتدأ خبره محذوف تقديره لهم وعيد شديد ، والظاهر أنه بدل من قوله تعالى « مَنْ كانَ مُخْتالًا » أو صفة